مطامر غير ملبية للشروط البيئة، تضم نفايات خطرة كالمخلفات الطبية ومواد صناعية وكيماوية تسبب تلوثاً للتربة والمياه الجوفية فضلاً عن الانبعاثات الغازية التي تصدرها للهواء، مشكلة معا مصادر خطر متزايدة للسكان، خاصة مع تعمد حرقها كآلية للتخلص منها، في ظل غياب مشاريع تدوير النفايات والطمر وفق المعايير الصحية والبيئية العالمية.
وينتظر مجيد عامر (42 سنة) فجر كل يوم، وهو خلف مقود سيارته البيك آب تويوتا موديل 1982 في منطقة طمر النفايات بالسحاجي جنوب غرب الموصل (405 كم شمال بغداد) وصول شاحنات نقل النفايات القادمة من الجانب الأيمن للمدينة، ليبدأ مع ولديه بفرز وجمع ومن ثم بيع ما بوسعهم من مواد معدنية وبلاستيكية.
كان طوال عمره راعياً ومربياً للماشية في قضاء البعاج أقصى غربي نينوى على الحدود مع سوريا، غير أن تراجع الأمطار وتقلص مساحات الرعي فرضت عليه وعلى أشقائه الثلاثة اتخاذ القرار الصعب في 2009، ببيع ما تبقى لهم من ماشية والانتقال مع عائلاتهم إلى مدينة الموصل، ليستقروا غربها بمنطقة عشوائية تعرف بالعبور مجاورة لمنطقة الطمر التي تفتقد لمعايير الطمر الصحي.
يراقب باهتمام الجهة التي يتوقع أن تصل منها أول شاحنات النفايات، ويقول: "عملت بهذه السيارة في 2009 بنقل البضائع الصغيرة بالأجرة في سوق البورصة، لكن الظروف الأمنية وقتها منعتني من الاستمرار، فلم يكن أمامي خيار آخر سوى العمل في نقل الحديد السكراب بعد تحرير الموصل من داعش في 2017، وبعدها بسنتين أصبحت أنقل بالأجرة الخردوات من حديد وبلاستك من مناطق طمر النفايات".
يضرب بيده المقود مرتين متتاليتين، ثم يشير إلى مجموعة من الشبان الملثمين كانوا ينتظرون بدورهم على مقربة منه ومعهم أكياس كبيرة الحجم، قائلاً: "اثنان منهم ابنان لي، تجاوزا الثامنة عشر ولم يكملا سوى الابتدائية، فبعد أن كنا ننقل ما يعثر عليه النباشة هنا مقابل أجر، أصبحنا ننبش نحن ونبيع ما نحصل عليه!".
مجيد وولداه، من بين مئات العاملين في نبش النفايات في مدينة الموصل التي يناهز سكانها مليوني نسمة، وتوجد فيها منطقتا طمر رئيسيتان، إحداهما في الجانب الأيمن بمنطقة السحاجي، والأخرى في الجانب الأيسر بمنطقة كوكجلي.
وقد تم انشاء مطامر عشوائية عديدة أخرى على تخوم حدود بلدية الموصل ولاسيما قرب المجمعات السكنية التي استحدثت من قبل جمعيات الإسكان التعاونية على أراض زراعية في محيط المدينة، حتى أن بعضها اتسع لتتداخل مع الأحياء السكنية ضمن حدود المدينة.
هذه المطامر مجتمعة، غير ملبية للشروط البيئة، وتختلط معها وفقاً لموظفين حكوميين متخصصين، نفايات خطرة كالمخلفات الطبية ومواد صناعية وكيماوية تسبب تلوثاً للتربة والمياه الجوفية فضلاً عن الانبعاثات الغازية التي تصدرها للهواء، مشكلة معا مصادر خطر متزايدة للسكان، خاصة مع تعمد حرقها كآلية للتخلص منها، في ظل غياب مشاريع تدوير النفايات والطمر وفق المعايير الصحية والبيئية العالمية.
2200 طن نفايات يومياً
تعد مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى، ثاني أكبر مدينة عراقية بعد العاصمة بغداد، يعيش فيها نحو مليون وثمانمائة ألف شخص. يقطعها نهر دجلة إلى نصفين أيمن وأيسر. شهدت المدينة تدهوراً أمنياً كبيراً بعد سقوط النظام العراقي السابق في نيسان/أبريل 2003 ولغاية تحريرها من تنظيم داعش في تموز/يوليو2017.
يقول الكاتب والناشط البيئي عادل زياد، ان فترة ما قبل سيطرة داعش على الموصل في حزيران/يونيو2024 شهدت تدهوراً في كافة القطاعات، وعلى رأسها قطاع البلدية والخدمات، وذلك جراء حرب الشوارع اليومية التي كانت تجري بين الجماعات المسلحة والقوات الأمنية.
يضيف: "ذلك كان واقع المدينة طوال عشر سنوات، قبل أن تستعيد أمنها ومعها حياتها عقب تحريرها من في تمور2017".
ويذكر أن 80% من النفايات تكون غذائية في العادة، وبما أنها مواد عضوية فيمكن فرزها عن باقي المخلفات والنفايات لإنتاج سماد عضوي ومقوي للتربة، وأشار إلى دراسة أجراها باحثان من جامعة الموصل، وجدا أن من الممكن لبلدية الموصل أن تنشئ وكخطوة أولى مصنعا لفرز وتصنيع المخلفات السكانية الصلبة، بطاقـة تصـميمية أولية مقدارها ١٠٠٠ طن يوميا من السماد العضوي ومقوي التربة.
وهي يمكن ان تشكل نواة لإنشاء منظومة للإدارة المتكاملة للمخلفـات الصلبة خاصة بمدينة الموصل، يكون محورها المكب النظامي.